fbpx

التربية أولا، التربية أخيرًا، والتربية دائمًا.

التربية أولا، التربية أخيرًا، والتربية دائمًا.

 

التربية كلمة عظيمة تحمل في طياتها مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية للفرد عامة وللطفل خاصة، وأثر التربية إيجابيًا كان أم سلبيًا له انعكاسه المباشر وكذلك غير المباشر سواء على الفرد نفسه أو على المجتمع ككل.

فإذا اعتبرنا الفرد بمثابة صانع للحضارات فإن التربية هي الأساس الذي يصنع الإنسان ليقوم بدوره على أكمل وجه في صنع الحضارات والمجتمعات وفي تحقيق التقدم والنمو الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الأدوار الأخرى التي تساهم فيها تربية الأفراد.

التربية كلمة عامة وشاملة لها مجموعة من المفاهيم التي توضح معانيها سنتعرف عليها في المقال التالي، وسنتعرف أيضًا على التربية قديمًا وحديثًا لفهم ما يجب أن تكون عليه التربية الصحيحة.

وتربية الفرد تبدأ بتربيته طفلا إلى أن يكبر ويصبح مراهقًا ثم شابًا يستطيع مواجهة المجتمع وتحدي صعابه والتكيف مع مشكلاته، ومن هنا يجب التنويه إلى نقطة أصول تربية الأطفال ومبادئها ووجوب وعي الوالدين بها. هل التربية عملية سهلة وبسيطة؟ بالطبع لا، ولكنها ليست مستحيلة في الوقت نفسه ومن هنا يجب أن نتطرق إلى كيفية تربية الآباء لأنفسهم أولا حتى يستطيعوا تقديم نموذج وقدوة لأبنائهم للاحتذاء له.

وبعد معرفة ذلك كله وبعد تنفيذه وتطبيقه سنذكر لكم مدى أهمية التربية الصحيحة والتنشئة السليمة على الفرد والمجتمع، وسنناقش مجموعة من الأسئلة وسنجيب على أخرى لتكوين فكرة شاملة عن التربية.

مفهوم التربية

التربية ظاهرة وضرورة اجتماعية تحدث في ظل وجود أفراد ومجتمع، وهي عملية لها مراحل وكذلك أهداف، وهي محصلة لما يكتسبه الطفل من قيم ومبادئ، وهي عملية يسعى فيها القائمون على التربية لتكييف المتربي على البيئة المحيطة بثقافتها وخصائصها ومكوناتها والتفاعل معها والاستفادة منها وتطويرها في الوقت ذاته.

التربية عملية قديمة منظمة متطورة متدرجة شاملة تضفي الجمال والكمال البنَاء على النفس الإنسانية، وهي التنشئة السليمة الصحيحة إذا ما صحت في طريقتها ومبادئها، وهي عملية تساعد الفرد في تحقيق ذاته وإعداده ليحيا حياة كاملة وهي الحياة بالأساس.

وقفة: التربية عملية مستمرة أيضًا

إلى أن يشاء الله، وستبقى دائمًا وأبدًا محور اهتمام المؤسسات والمجتمعات فهي لا تتوقف بالوصول إلى سن معينة أو الوصول إلى قدر معين من المعرفة. لا، فهي عملية دائمة متطورة بتطور المجتمعات والأزمان.

التربية قديمًا وحديثًا

تتباين التربية في الأهداف والطرق والمراحل والأنواع والمفاهيم باختلاف المجتمعات والأزمان بسبب اختلاف المعايير والقيم والأهداف الثقافية والاجتماعية والإنسانية لكل مجتمع مع اختلاف الفترة الزمنية التي يتواجد فيها المجتمع واختلاف العوامل التي تؤثر فيه ومن ثم على عملية التربية.

ومنذ فجر التاريخ، حاول العلماء والفلاسفة وكل المهتمين بشأن التربية معرفة أفضل الطرق للحياة الإنسانية التي تتسم بالسعادة والاستقرار والمحافظة على بقائهم ونقل تراثهم وعلمهم وترسيخ مبادئهم وقيمهم، فلم يجدوا سبيلا لذلك إلا من خلال غرس كل هذه المبادئ والقيم التي تهدف بالأساس لبقائهم وبقاء حاجاتهم والتكيف مع مجتمعاتهم وهو ما عُرف حديثًا ب(التربية). ولم تتسم التربية قديمًا بالعشوائية، بل كان لها نظامًا محددًا وأسسًا قويمة تسعى لتربية الأطفال ومن ثم الأفراد تربية صحيحة تضمن بقائهم وبقاء أجيال بعدهم.

ومازالت التربية تأخذ حيزًا كبيرًا في المجتمعات المتقدمة التي تسعى لترقية مستوى أبنائها وتبذل أقصى ما في وسعها من جهد ومال ووقت لتربية أفرادها تربية صحيحة، ولكن التحديات التي تواجه المربين والمؤسسات التربوية أصبحت أصعب بكثير مما قبل.

التربية ضرورة اجتماعية منذ القدم

إن الماء والغذاء والهواء ضروريات لحياة الإنسان الحياة المادية، وكذا التربية فهي ضرورة من ضروريات الحياة الاجتماعية لكل أفراد المجتمع؛ فمن خلالها يحيا الأطفال والأفراد ويستطيعون بها تنظيم علاقاتهم وتنفيذ مصالحهم ومصالح مجتمعهم وتحقيق أهدافهم الدينية والدنيوية.

أصول التربية ومبادئها

تربية الآباء لأنفسهم لكي يكونوا قادرين على تربية أبنائهم- إعداد الوالدين لمسؤولية التربية… كيف؟

  • استعداد الوالدين الكافي للقيام بمهمة التربية

ويشمل ذلك استعدادهم الكامل للتغيير والتشكل سواء في الشخصية أو أسلوب الحياة أو المبادئ ،للصالح، بما يتناسب مع مبادئ التربية العصرية فإذا كانوا مقتنعين تمام الاقتناع بذلك سيكونون قادرين بالضرورة على تربية الأطفال تربية عصرية وتنشئتهم بشكل سليم.

  • وعي الوالدين بأن التربية ليست حكرًا على فرد أو جهة بعينها

صحيح أن دور الوالدين من الأهمية بمكان في عملية التربية، ولكن في الوقت نفسه فإنه أصبح هناك العديد من المؤسسات والقوى التي تدخلت في عملية التربية بأشكال شتى وتساهم بشكل فعال في مسألة التربية. على الوالدين أن يعيا جيدًا أن المسألة لم تعد سهلة كما سبق، وأن عليهما بذل المزيد من الجهد في الوقت الراهن.

ومن الأهمية بمكان التفاعل والتنسيق مع هذه الجهات للحصول على نتيجة مؤثرة في هذا الصدد.

  • قدرة الوالدين على تفحص المحيط المجتمعي للأبناء

بتحديد أوجه القوة وأوجه القصور الثقافية والاجتماعية والسلوكية والأخلاقية وتدعيم الصالح منها ورفض الطالح منها وتغييره لتشكيل محيط مجتمعي مميز للطفل قادر على مساعدة الوالدين في التربية بشكل إيجابي.

  • تطوير الوالدين لأنفسهم تربويًا وثقافيًا ولمهاراتهم الاجتماعية

لأن كلا الوالدين ينشدان تربية سليمة لأبنائهما, فإن ذلك يحتاج إلى وعي ومعرفة بأصول التربية الحديثة ومقوماتها وما يجب فعله وما لا يجب فعله، ويقتضي ذلك بطبيعة الحال تطوير الوالدين لمهارتهما المختلفة حتى يستطيعا في النهاية الاضطلاع بمسؤولية التربية.

رسالة في أذن كل أب وأم (من أجل تربية أسمى)

  • وجودك مع أبنائك أطول وقت ممكن من أهم أصول التربية ومبادئها إن لم يكن أهمها، فغياب الوالدين عن أبنائهم يكسبهم السلوكيات السلبية ويؤثر سلبًا على طريقة استجابتهم للظروف المختلفة وعلى قدرتهم على القيام بالأنشطة المختلفة ومواصلتها، كما يؤدي غياب الوالدين إلى زيادة غضب الأطفال وزيادة استجابتهم لاكتساب السلوكيات السيئة ومن ضمنها السلوكيات الغذائية غير السليمة, ما يؤدي للإصابة بالسمنة ومضاعفاتها، فضلا عن الاضطرابات العصبية والنفسية التي تؤذي نفسيتهم مؤثرة سلبًا على المدى الطويل.
  • اعلم جيدًا أن لكل طفل من أطفالك نمطًا مختلفًا في التفكير، فاحرص على معرفته للتعامل معه بالشكل الأنسب.
  • احرص على خلق أنشطة وألعاب باستخدام أشياء من المنزل وشاركه فيها لخلق جو من الألفة والمودة بينكما
  • اخلق جوًا من الحوار وتواصل مع أطفالك واسألهم عن أحوالهم باستمرار.

سؤال: هل يتعارض النجاح المهني للوالدين مع التربية الصحيحة؟

من المفترض أن لا يتعارض النجاح المهني للوالدين مع التربية الصحيحة للأبناء، وإذا حدث ذلك فإنه يجب على الوالدين الوقوف وقفة سليمة مع أنفسهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط المسار وإعادته لمساره الصحيح.

وبشكل عام، فإن حل مشكلة التربية يجب أن يكون حلا جماعيًا، وهو يحتاج لتكاثف مجموعة من المؤسسات، ويتمثل الحل في:

  • ضرورة وعي الوالدين بمسؤولية التربية وواجباتهم والدور المنوط بهم تجاه أبنائهم
  • الاهتمام بزيادة توعية المؤسسات التي تساهم في عملية التربية بشكل مباشر أو غير مباشر فيما يخص مسألة التربية، وتوجيه دور الأسرة والإعلام والمسجد أو الكنيسة للدور المطلوب منهم في عملية التربية.
  • العمل على تحقيق التواصل والتفاعل بين الوالدين والقوى الخارجية المساهمة في عملية التربية

أهمية التربية للفرد والمجتمع

لاشك أن التربية الصحيحة والتقويم السليم الذي يتشارك فيه الوالدان والمؤسسات التربوية بشكل مباشر وغير مباشر من: مدرسة ومسجد وإعلام وأصدقاء و غيرها لها أهميتها على الفرد والمجتمع. فإن صلحت التربية صلح المجتمع بأسره، وإن فسدت تربية الفرد فسد المجتمع بأسره. وللتربية آثارها على الفرد والمجتمع نوجزها فيما يلي:

  • على مستوى الفرد
  • مساعدة الطفل في التحول من الاعتمادية والاتكالية للاستقلالية: لأنه يجب أن تشمل التربية في أسسها ومبادئها على هذا الهدف السامي الذي يُحول الأفراد من السلوك الاعتمادي للسلوك الاستقلالي الذي يمكن الطفل أن يصير فردًا فعالا في مواجهة المجتمع واستقبال صعوباته بل والتغلب عليها والوقوف من جديد.
  • المساعدة في الحفاظ على الطابع الإنساني للفرد وتفاعلاته وعلاقاته بغيره ومجتمعه والبعد عن طابع الأنانية واكتساب القيم والأخلاق الحميدة، لذلك فللتربية وسيلة تفاعلية أيضًا.
  • تشكيل اتجاهات الفرد وتكوين شخصيته وسلوكه وردود فعله وتنظيمها بما يتناسب مع الموقف.
  • إمداد الطفل الذي سيصبح فردًا فعالا في المجتمع بالخبرات والمهارات اللازمة لمواجهة المجتمع وتحدي صعابه.
  • إكساب الطفل مهارة اللغة التي يستطيع من خلالها التواصل مع أقرانه ومحيطه بالشكل المطلوب
  • تشكيل الفرد تشكيلا سليما في الجانب الديني بتنشئته على القيم والسلوكيات التي نص عليها الدين و الصالحة لكل زمان ومكان، وكذلك الجانب الدنيوي بإعداده ليكون مواطنًا صالحًا وعلى جانب آخر تعليمه كيفية العمل وجلب الرزق.
  • على مستوى المجتمع
  • إن تربية الفرد نواة لتغيير الأمة والرقي بها، وتربية الفرد تربية سليمة يعتبر حجر الأساس نحو أسرة سليمة وبالتالي مجتمع قويم، لذلك إذا أردنا التقدم والرقي علينا أن نعي جيدًا أن الأمر يبدأ بتربية الطفل ومن ثم الفرد.
  • تعتبر التربية وسيلة من وسائل بقاء المجتمع يحافظ فيها الفرد على تفاعلاته وعلاقاته مع بقية أفراد المجتمع بما يضمن بقاء المجتمع وتحقيق التوازن البيئي والقيام بمصالح الكون وعمارة الأرض.
  • نقل التراث الثقافي للأجيال على مر العصور والمحافظة عليه وتعزيزه: كما أن التربية تساهم في الحفاظ على بقاء المجتمع فإنها تساهم أيضًا في نقل التراث الثقافي من جيل لآخر وللمحافظة عليه من الانهيار؛ فما بُني في ملايين السنوات يحتاج بلا شك من الأفراد جهدًا كبيرًا للمحافظة عليه، وتتمثل عملية المحافظة عليه في التربية، بل ويمكن أن تقوم التربية بمهمة جليلة وتتمثل في تطوير هذا التراث الثقافي وليس مجرد المحافظة عليه وحمايته من الضياع.
  • نقل العلم من الآباء إلى الأبناء لا يتم إلا من خلال عملية التربية التي تقتضي من الوالدين غرس القيم والمبادئ التي تُبعد الطفل عن الهمجية أو العنف أو العدائية ليتحول سلوكه إلى المحبة والإيثار والسلام وغيرها من القيم الجميلة التي لا تنتقل للطفل بالوراثة وإنما من خلال عملية التربية للحفاظ على سلامة المجتمع في النهاية وتقليل صراعاته ونزاعاته.
  • عامل مهم من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبناء الذي يتماشى مع الحضارة وإرساء الديمقراطية كما يجب أن تكون، والتربية وسيلة من وسائل التماسك الاجتماعي وأحد دعائم الوحدة الوطنية والقومية.

لحظة: هل يعني هذا أننا بحاجة إلى التركيز على التربية أكثر مما مضى؟

الإجابة: نعم، نحن بحاجة ماسة لذلك لأن البيئة الحالية أصبحت شديدة التعقيد نظرًا للانفتاح الواسع على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام بوسائله المختلفة ومجتمعات الأصدقاء في المدرسة أو النادي وغيرها. كل هذه الأسباب تستدعي من الوالدين ومن المؤسسات المشاركة في التربية كافة التركيز أكثر مما مضى في عملية التربية وتوليتها الاهتمام الكبير خاصة أننا في عصر يحرص فيه الوالدين على تحقيق النجاح المهني أكثر من التركيز على النجاح الأسري فيكون نجاحهم هذا نجاحًا بطعم الفشل! وهو ما لا يجب أن يكون عليه الحال.

فازرعوا اليوم بذور التربية القويمة السليمة تحصدوا غدا ثمارها على أطفالكم أنفسهم وعلى مجتمعكم، ولا تتهاونوا في تربيتكم لهم لأن (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

أخيرا هل تعلم أن عزيزي القارئ أن متابعة الأولاد والاهتمام بإطعامهم وظهورهم بالمظهر الحسن وحل الواجبات تسمى رعاية وليست تربية!!!!!
التربية هي العمل على خمسة أمور:
أولًا :  بناء القناعات
وتشمل العقيدة .. المبادئ .. القيم .. الطموحات .. فهم الحياة
ثانيًا :  توجيه الاهتمامات
وتشمل ما يشغل بال الانسان وكيف يقضي وقت فراغه.
ثالثًا :  تنمية المهارات
بأنواعها المختلفة؛ رياضية؛ فنية؛ عقلية؛ اجتماعية؛ إدارية؛ علمية.
رابعًا:  فهم قواعد العلاقات
من تصاحب؟ من تتجنب؟ وكيفية بناء العلاقات
وإصلاحها أو إنهائها.
خامسًا :  اختيار القدوات
وهم الأمثال العليا الذين يتطلع إليهم الإنسان ليصبح مثلهم ،وكذلك فهم القوانين التي تحكم التعامل مع القدوات.
هذه الخمس تسمى  تربية وغيرها رعاية.
الرعاية يمكن تفويض جزء منها، أما التربية فلا تفويض فيها؛ لأنها هي واجب الأم والأب أولًا، ويساعدهم المربون المخلصون في ذلك.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *